السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
278
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
تحقيقا لوعده ، وما كان إمدادكم بهم للنصر ، وإنما هو للاطمئنان والبشارة فقط « إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ » منيع الجانب قوي غالب لا يقهره شيء « حَكِيمٌ ( 10 ) » في تدبيره ونصره لأوليائه على أعدائه . روى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال يوم بدر ( بعد ما ناشد ربه ) هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب . قال ابن عباس كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض ، ويوم حنين عمائم خضر ، ولم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر ، وكانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا . واذكر يا محمد لقومك أيضا « إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ » من اللّه لكم من عدوكم طمأنينة لقلوبكم ورأفة لأنفسكم وإزالة لرعبكم إذ كنتم في سهر من خوف عدوكم ، وهذه نعمة عظيمة ، لأن وقوعه في الحرب أمر خارق للعادة ، لأن زمن الحرب وقت رهبة وخشية لا يتصور فيه حدوث النوم « وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ » ويطفئ غبار الأرض ويلبدها ، وذلك أن المشركين سبقوهم إلى بدر ونزلوا عليه ، ونزل المسلمون على كثيب رمل ولا ماء عندهم ، وأصبحوا لا يجدون ما يشربون ولا ما يتوضئون ويغتسلون به ، فلما أرسل لهم المطر طابت نفوسهم واستدلوا بهذه النعمة الثانية على أن اللّه تعالى ناصرهم على عدوهم « وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ » ثقله الحاصل على أثر انتباهكم من النوم ووسوسته التي ألقاها في قلوب بعضكم من أنه لو كنتم أولياءه لما غلبكم المشركون على الماء . وقال بعض المفسرين انهم كانوا مجتبين بدليل التشديد في قوله ( لِيُطَهِّرَكُمْ ) إذ يطلق غالبا على المبالغة في الطهارة ويراد بها الجنب ، ولكن التفسير الأول أولى لأنه يشمل الجنب وغيره « وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ » برباط الصبر حتى لا يدخلها الجزع ، والربط هو الشد فكل من صبر على أمر فقد ربط نفسه « وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 ) » لئلا تسوخ في الرمل فضلا عن تلبده وتقويته ومنع الغبار من الأرض ، وأذكر أيضا « إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ » بالنصر والمعونة والهيبة والهداية والروعة والدهشة في قلوب الأعداء « فَثَبِّتُوا » أيها الملائكة وقروا قلوب « الَّذِينَ آمَنُوا » بتكثير سوادهم وقتال أعدائهم ، ولا ترعووا فإني « سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ » منكم والخوف